عمر السهروردي
516
عوارف المعارف
كما كان ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بظاهره وقلبه ، فإذا استكمل العروج تنقطع عنه خواطر النفس ، لتستره بأموار القرب ، وبعد النفس عنه ، وعند ذلك تنقطع عنه خواطر الحق أيضا . لأن الخاطر رسول ، والرسلة إلى من بعد ، وهذا قريب ، وهذا الذي وصفناه نازل ينزل به ولا يدوم ، بل يعود في هبوطه إلى منازل مطالبات النفس وخواطره ، فتعود إليه خواطر الحق وخواطر الملك . وذلك أن الخواطر تستدعى وجودا ، وما أشرنا إليه حال الفناء ولا خاطر فيه ، وخاطر الحق انتفى لمكان القرب ، وخاطر النفس بعد عنه لبعد النفس ، وخاطر الملك تخلف عنه كتخلف جبريل في ليلة المعراج عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : لو دنوت أنملة لا حترقت . قال محمد بن علي الترمذي : المحدث والمكلم : إذا تحققا في درجتهما لم يخافا من حديث النفس . فكما أن النبوة محفوظة من إلقاء الشيطان ، كذلك محل المكالمة والمحادثة محفوظ من إلقاء لنفس وفتنتها ، ومحروس بالحق والسكينة ، لأن السكينة حجاب المكلم والمحدث مع نفسه . وسمعت الشيخ أبا محمد بن عبد اللّه البصري بالبصرة يقول : الخواطر أربعة : خاطر من النفس ، وخاطر من الحق ، وخاطر من الشيطان ، وخاطر من الملك ، فأما الذي من النفس فيحس به من أرض القلب ، والذي من الحق من فوق القلب ، والذي من الملك عن يمين القلب ، والذي من الشيطان عن يسر القلب . والذي ذكرناه إنما يصح لعبد أذاب نفسه بالتقوى والزهد ، وتصفى وجوده وستقام ظاهره وبطنه ، فيكون قلبه كالمرآة المجلوة لا يأتيه